كان اعلان الرئيس عبدربه منصور هادي اختتام اعمال لقاءات فندق الموفينبيك ثم اجباره ممثلي الأحزاب التوقيع على وثيقة تحويل اليمن الى نظام اتحادي بستة أقاليم، الخطوة الأولى نحو الهاوية التي وصلت اليها اليمن بسبب تراكم الاخطاء وصمت المستشارين ومجاراة الأحزاب لرغباته التي لم تكن نتائج دراسة او انعكاس لواقع او تحقيقا لرغبات وطنية جامعة.

خاتمة الأخطاء الكثيرة كانت التوقيع على وثيقة (السلم والشراكة الوطنية) في مشهد بائس بامتياز اذ كان ممثلو الأحزاب كافة ينتظرون منذ الصباح الباكر في دار الرئاسة  لحضور ممثلي (السيد)، الذين استمرت مماطلتهم في الوصول الى ان انتهوا من اجبار اللواء علي محسن على الخروج من معسكره وهروبه من اليمن بعد لقاء قصير مع هادي الذي رفض ارسال أي تعزيزات لنجدته. بعد ذلك دخل الرئيس الى قاعة الاجتماعات وبرفقته حسين العزي ممثل الحوثيين وجمال بنعمر وكانت تلك الصورة مقدمة الفصل الكارثي الذي تعيشه اليمن منذ التحق هادي بعلي محسن ليسكنا نفس المقر.

مجلس الامن ومجلس التعاون باركا تلك الوثيقة انسجاما مع رغبات الرئيس هادي التي كانت في مجملها منطلقة من عوامل غير موضوعية ومن رغبة ذاتية قصيرة النظر في تصفية كل من كان يشكك في جدارته للبقاء على قمة السلطة. وهكذا ترك العميد القشيببي يلقى مصيره داخل معسكره في عمران تحت شعار (حياد الجيش) ثم تنازل عن كافة حقوق رئيس الدولة الدستورية بتمكين الحوثيين من دخول صنعاء تحت وهم انه لا يريدون الا التخلص من علي محسن واغلاق جامعة الايمان، وكل حديث لتبرئة النخبة الحاكمة في صنعاء حينها بحجة ان الرئيس هادي لم يكن يسيطر على القوات المسلحة هو ادانة كاملة لسنوات حكمه فقد عزل نفسه عن الجميع واكتفى بالاستماع الى مستشاريه الذين لم يكن عند احدهم الحرص على الوطن ولا الشجاعة  في ازعاجه او حتى تنبيهه الى سلسلة الأخطاء التي يرتكبها بوعي او بدون قصد وفي الحالتين يتحمل المسؤولية كاملة.

لم يدرك هادي ان رفض الحوثيين تكليف مدير مكتبه احمد بن مبارك بتشكيل الحكومة ثم ترشيحهم لرئيس الوزراء الحالي خالد بحاح وقبول الجميع به لإنهاء الازمة، كانت مؤشرات على انهم لن يفلتوه الا بعد ان يسلمهم بقية مواقع الدولة التي يرغبون اما بتوليها او تكليف من يرونه من وجهة نظرهم صالحا لها.

كانت بداية الانزلاق نحو تدمير هياكل الدولة الهشة هي اعتقال هادي وبحاح ثم بقية أعضاء الحكومة وجرى استبدال أساليب عمل المؤسسات بلجان (ثورية)، والأكثر سخرية هو قبول الأحزاب الفاعلة كالإصلاح والمؤتمر الشعبي والاشتراكي وكذلك الأحزاب الهامشية الدخول في تفاوض جاد تحت اشراف مبعوث الأمم المتحدة حينها لإيجاد صيغة حكم جديدة يكون الحوثيون فيها شركاء حقيقيين في الواجهة.

ثم جاء فرار هادي والسماح لخالد بحاح بالسفر ليبرهن عدم قدرة الحوثيين على التفكير السياسي السليم فبدأوا بإصدار قرارات (ثورية) لم تكن أكثر من مسعى لتسخير الدولة لرغباتهم وطموحاتهم الذاتية بعيدا عن أي مصلحة وطنية بل على العكس كانت تصب في خانة التفرق والانقسام المذهبي والمناطقي اذ كان اختيارهم لمن يشغل المواقع العليا في الدولة منحصرا بمن يدينون بالولاء المطلق والصريح لجماعتهم، وتعمدوا إهانة واذلال من عداهم حتى الذين قبلوا العمل تحت اشرافهم.

واصل الحوثيون سوء التقدير ولم يدركوا المدى الذي يمكن ان تذهب فيه إيران لمساندتهم فلم يستوعبوا عوامل الجغرافيا ولم يفهموا ان إيران دولة لها حسابات تختلف عن حسابات الجماعات المارقة، ولم يكونوا متفهمين للقلق الذي تثيره تصريحاتهم وتحركاتهم، ثم فاجئوا الجميع بالإعلان عن مناورات على الحدود مع السعودية وهو فعل دفع بالصراع الداخلي الى فضاء خارجي، ولم يعد ممكنا إيقاف الحوثيين عند نقطة يراجعون فيها افعالهم فقد كان ومازال يقينهم انهم حملة رسالة يجب العمل لتثبيت مضمونها في الأرض.

ان عدم معرفة الحوثيين بتعقيدات العوامل الإقليمية والدولية وتشابكها جعلهم يقودون البلاد وانفسهم الى الهاوية التي كان ممكن تداركها لو انهم تواضعوا قليلا ولكن عدم الخبرة السياسية وقلة الاحتكاك مع العالم الخارجي إضافة الى الخوف والقلق الذي يصاحبهم في كل تصرفاتهم نتيجة سنوات العزلة والحروب التي عصفت بمركزهم في صعدة، كل هذه مجتمعة شكلت ضغطا نفسيا جعل ادارتهم للبلاد موسومة بالفوضى والارتباك، وليتهم اكتفوا بذلك بل بالغوا في استخدام القسوة والترهيب والتنكيل ضد خصومهم وكل من يشتبهون بصلاته مع معارضيهم.

اندفع الحوثيون جنوبا خارج بيئتهم المذهبية الطبيعية وواصلوا تقدمهم حتى بلغوا مدينة عدن وكان هذا مؤشرا على توغل مفهوم القوة الآلهية في كل تصرفاتهم وظهر ذلك في مقاومتهم للتحالف والمقاومة الشعبية ولم تثنهم الخسائر الفادحة في صفوفهم بل استمروا في تقبل الاثمان البشرية المفزعة، غير مكترثين بسيل الدم واعداد القتلى، وبعد اجبارهم على الخروج من مدينة عدن وجهوا جهودهم نحو مدينة تعز التي تشهد حاليا كارثة بشرية ومادية نتيجة حماقات الحوثيين وغرورهم وبمساندة من وحدات الجيش والامن التي انحازت لهم من منطلق مذهبي خالص، وستظهر بشاعة ما جرى فيها من فضائع بعد توقف الحرب ولكن الأكثر مأساوية هو تمزق النسيج الاجتماعي الذي كان يميزها وحتما ستنتشر فصائل مسلحة غير منضبطة وترتبط بجماعات عابرة للحدود وسيكون من الصعب إعادة الأمور الى طبيعتها وفي المشهد الليبي نموذجا اراه يتكرر بسرعة بكل تفاصيله في اليمن.

بعد أيام ستبدأ جولة مفاوضات في جنيف ومن المؤكد ان الأطراف الخارجية لا يمكنها الاستمرار في المجهود الحربي لوقت أطول، ومغامرات الحوثيين وانصارهم التي عرضت الوطن لخسائر فادحة في الأرواح والعتاد لن يكون بالإمكان تعويضها، وهذا قد يساعد في التوصل الى هدنة تعيد الأمل الى المواطنين في الخروج من محنة الأشهر الماضية، ومن المبكر جدا الحديث عن اتفاق يعيد الاستقرار الى البلاد لأن اطراف الصراع الداخلي يقفون على مسافات بعيدة تفصل بينها عداوات واحقاد وثـأرات، وفي صفوف كافة الأطراف اليمنية مرتزقة يحترفون الحروب ويستفيدون من استمرار هذا النزيف.

ان ما يحتاجه اليمن اليوم هو طرف يعبر عن الأغلبية الساحقة الواقعة بين مطرقة الحوثيين وسندان الشرعية المهاجرة، ولا يمكن اغفال ان عودة الحد الأدنى من الهدوء والاستقرار سيتيح لهذه الملايين من اليمنيين التعبير عن رأيها المعارض لكل أفعال من يسيطر على الأرض حاليا في الداخل ونقمتها لتكاسل وهروب الذين يتلحفون بالشرعية.

———————

مصطفى أحمد النعمان

سفير وكاتب يمني عمل وكيلا لوزارة الخارجية

السفير مصطفى أحمد النعمان كاتب في جريدة الشرق الاوسط الصادرة في لندن. وتعكس كتاباته تجربه عميقة في الشئون الخارجية. عمل سفيرا لليمن لدى اسبانيا، وجمهورية الهند،و كندا والبحرين وسفيرا غير مقيم لدى بنغلادش وسيرلانكا. كما رأس البعثة اليمنية لدى جنوب افريقيا وعمل دبلوماسيا في السفارة اليمنية في الرياض. مابين عامي ٢٠٠٣-٢٠٠٥م عين وكيلا لوزارة الخارجية، وشارك في الوفد اليمني الخاص بمباحثات الحدود بين السعودية واليمن بين ١٩٩٦-١٩٩٩م وعمل وزيرا مفوضا في ديوان وزارة الخارجية في صنعاء منذ ١٩٩٦م. انتخب في المكتب التنفيذي للجنة الوطنية اليمنية للدفاع عن الحقوق والحريات في عام ١٩٩٢م. وشارك كمراقب في لجنة الرقابة على الانتخابات البرلمانية في الاردن ورأس لجنة الانتخابات الحرة، وهي أول منظمة غير حكومية تراقب الانتخابات البرلمانية في اليمن.

السفير النعمان حاصل على البكالريوس في الهندسة من جامعة القاهرة. ترجمت اعماله وكتاباته الى لغات عدة ونشرت في وسائل الاعلام المختلفة. يتقن اللغتين الانجليزية والفرنسية.
مصطفى أحمد النعمان on Twitter