يقال في المثل ” بعد خراب البصرة ” عندما تأتي المساعدة بعد فوات الأوان، كما هو الحال في إيقاف الحرب بعد التدمير الشامل، وبرغم تأخر الوقت إلا ان أصوات البنادق يجب ان تتوقف. ويأتي المثل الإنكليزي اكثر إيجابية هنا: “أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا”.

ما كان يجب للحرب في اليمن أن تقوم وبما انها قد نشبت فلعل الظروف الحالية مناسبة لعملية سلام جدية. يقوم  إسماعيل ولد الشيخ، المبعوث من قبل الأمم المتحدة لليمن، بجهود حثيثة لجمع الأطراف ولكن الموضوع يتطلب تدخل قوى خارجية لإيقاف سعير الحرب.

وبرغم تعدد اللاعبين في جانبي هذه المعادلة، إلا أن المملكة العربية السعودية والحوثيين هم الخصوم الرئيسيون، وكليهما يدرك إستحالة تحقيق نصر عسكري كامل. فقد تم طرد الحوثيين من عدن، ولم يتبق لهم في الجنوب سوى جيوب معدودة، مما جعل صنعاء عرضة  للخروج عن سيطرتهم. وقد تستمر جماعة الحوثي في القتال في تعز لبعض الوقت، ولكن قواتهم ستكون في نهاية المطاف معزولة. كما أن معقلهم الرئيسي في صعدة قد تعرض للتدمير مما جعل الحياة لأغلب سكانها صعبة للغاية إن لم تكن مستحيلة. وبالتالي فإنه لم تعد هنالك مكاسب يمكن تحقيقها بإستمرار الحرب بالنسبة للحوثيين.

وفي المقابل انفقت المملكة العربية السعودية مئات الملايين من الدولارات شهريا على المجهود الحربي وأستطاعت حشد الكثير من المقاتلين الأجانب، بينما يتم دحر الحوثيين جنوبا وعزلهم في الشمال إلا أن الحوثيين ردوا بتكثيف الهجوم علي الحدود السعودية التي لم يقتصر تهديدها على المدن السعودية والقواعد العسكرية فحسب بل أصبح يمثل تهديدا على استقرار بلادهم.

إذا كانت القيادة السعودية حريصة على علاقة مستقرة مع جارتها الجنوبية في المستقبل فهذا هو الوقت المناسب لتوقف الحرب، فالإنتصار الكامل بإهانة قبائل شمال الشمال في اليمن سيؤرث ضغائن تكدر أوقات السلم.

إن كلا الجانبين قد دخلا في حرب لا تلوح لها نهاية في الأفق، ولا يبدوان مستعدين لإتخاذ خطوات أحادية الجانب للخروج من هذه المأزق والوصول الي مخرج واضح. ولذلك نجد الحاجة ماسة إلى طرف ثالث متمثل في قوى دولية من خارج المنطقة لفرض حل يًمٌكن من إنقاذ الشعب اليمني من كارثة إنسانية مهولة. وتعتبر الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الهيئة المناسبة لهذه العملية وعليها الإضطلاع بهذه المهمة على نحو عاجل وفعال.

هذه هي الخطوات المقترحة التي يجب التوافق عليها وتنفيذها:

  1. إتخاذ خطوات فورية للضغط على السعودية لإيقاف الغارات والقصف الجوي، وبالمقابل على الحوثيين إيقاف الحرب الداخلية والإنسحاب من تعز وجميع المناطق في جنوب وشرق صنعاء.
  2. البدء الفوري في مباحثات جنيف بين السعودية وممثلين الحوثيين للإتفاق علي سحب قواتهم من مناطق التماس وانشاء مناطق منزوعة السلاح، كما على المملكة العربية السعودية العمل على سحب القوات الأجنبية التي استقدمتها الى اليمن، وكذلك توقيع تعهد عدم إعتداء من قبل الجانبين.
  3. يجب عقد قمة يمنية لقيادات الأطراف اليمنية المؤثرة والفاعلة في الساحة اليمنية، ويعقد هذا اللقاء بعد توقيع الاتفاق السعودي الحوثي وتنفيذه حتى يتم إزالة البعد العسكري الإقليمي الذي يُعقد إتمام الإتفاقيات الداخلية (أي عقد قمة داخليه).
  4. أقامة قمة للقيادات اليمنية تقتصر على عدد محدود من أصحاب التأثير الفعلي على الارض وتكون لديهم القدرة على التأثير في استمرار أو وقف القتال. أما الحراك الجنوبي فقد تقسم الى عدة فصائل، وفي الواقع يمكن دعوة خمسة أو ستة من قيادات الحراك لتمثيله، بالإضافة الى شخصين لتمثيل منطقة حضرموت، والمؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح بممثل واحد لكل منهما. أما صالح فقد انتهى امره كزعيم للمؤتمرالشعبي العام من خلال تصرفاته وعناده، فيجب مصادرة حقة في تمثيل أي شخص في اليمن.
  5. يجب على أطراف القمة من القيادات اليمنية المجتمعة أن تنظر في إتفاق مبني على مبادئ أساسية للحكم وكذا في نظام اللامركزية على النظام القائم، أي اثنين وعشرين محافظة لتجنب الجدل حول عدد الأقاليم سواءا ٢ او٤ او ٦ والتي عجلت بالاشتباكات المسلحة بعد مؤتمر الحوار الوطني في ٢٠١٤.
  6. يجب اعتماد خطة طويلة المدى لإصلاح القطاع الأمني، تنفذ على مدى عدة سنوات بهدف إعادة بناء المؤسسة العسكرية، ويجب على كل طرف العمل على ضبط مقاتليه حتى يتم التنفيذ الكلي للخطة الأمنية.
  7. مبدائيا، يجب إعتماد خطة تركز على إعادة الإعمار بشرط أن تشمل كافة المحافظات اليمنية ومن ثم ترك تحديد الأولويات والإحتياجات لكل منطقة وتنشأ هيئة دولية خصيصا لهذا الغرض.
  8. على الجهات المانحة إنشاء صندوق دولي والالتزام بإعادة الإعمار في اليمن، وتفويض مجموعة من الخبراء الدوليين لتصميم وتنفيذ مشاريع اعادة بناء في كافة انحاء البلاد. ومن الضروري نجاح هذه الآلية لتجنيب اليمن من الاعتماد على المساعدات الثنائية من القوى الإقليمية والجهات الفاعلة في السياسة المحلية والمنظمات الغير حكومية التي لا تمتلك السلطة لتوجيه مساعدات بشكل صحيح. فاليمن الان تعتبر دولة فاشلة وهي حقيقة واقعية ينبغي التعامل معها، فالبلد سيعتمد على الخارج بشكل كامل للتنمية، ولا يستطيع أي طرف – بما فيهم الرئيس هادي- زعم أحقية الولاية الوطنية في توجيه خطط التنمية.
  9. وفي الأخير يجب أن نؤكد الحاجة لميثاق وطني جديد قبل العودة الى بلورة دستور كامل. هنالك حاجة ملحة لإتفاق واسع النطاق على المبادئ التوجيهية لسياسات محلية ودولية في اليمن. وبإمكان فريق مكون من قيادات سياسية يمنية بارزة ومحايدة في هذه الحرب القيام بهذه المهمة. وهدف هذا الميثاق هو تحديد مبادئ الحكم الرشيد وأساسيات السياسة الخارجية بطريقة تمنح جميع الفصائل والمناطق من كافة أرجاء اليمن الأمل في عودة الأمن والإستقرار والرخاء على المدى الطويل.

هذه المهمة الصعبة هي لإسماعيل ولد الشيخ الذي يتوجب عليه إقناع الدول الكبرى بالدفع بهذه النقاط ومن خلالهم الضغط على جميع اللاعبين. وإذا تمكن المبعوث الأممي من الوصول إلى نهاية المطاف بهذه الخطة فبالتأكيد سيكون منافسا على جائزة نوبل للسلام القادمة.

نبيل خوري

دبلوماسي أمريكي سابق، عمل نائبا للسفير الأمريكي في صنعاء، وهو زميل في مركز الحريري للشرق الأوسط في المجلس الاطلنطي.

الدكتور خوري كبير الزملاء الغير مقيمين في المجلس الأطلنطي لمركز الحريري للشرق الأوسط. نشرت كتاباته في مدونه الموقع MENAsource، وموقع عرض القاهرة للشؤون العالمية وله مدونه خاصة باسم ركن الشرق الاوسط.

تقاعد الدكتور خوري من وزارة الخارجية الأمريكية في عام ٢٠١٣ برتبة وزير مستشار. عمل استاذا في شئون الشرق الأوسط و استراتيجية الولايات المتحدة في جامعتي الدفاع الوطني ونورث وسترن. كان اخرعمل دبلوماسي قام به نائبا لرئيس البعثة في السفارة الامريكية في اليمن (٢٠٠٤-٢٠٠٧م). في عام ٢٠٠٣م، أثناء حرب العراق، عمل خوري متحدثا باسم الخارجية في القيادة المركزية الامريكية لكل من الدوحة وبغداد.

يحمل درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت والماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ولاية نيويورك في ألباني. قبل عمله الدبلوماسي، كان خوري أستاذا مساعدا في العلوم السياسية في كلية سانت روز في ألباني، نيويورك، وقبل ذلك عمل أستاذا مساعدا للعلوم السياسية في الجامعة الأردنية في عمان. وقد نشرت له عدة مقالات عن قضايا القيادة والتنمية في العالم العربي في مجلة الشرق الأوسط The Middle East Journal، ومجلة دراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا Journal of South Asian and Middle Eastern Studies، والمجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط The International Journal of Middle East Studies. نشرت مقالته الأخيرة حول التأثير الإقليمي للانتفاضة العربية وحول السياسة الامريكية في اليمن في عدد صيف ٢٠١٣ وصيف ٢٠١٤ لمجلة سياسة الشرق الأوسط Middle East Policy.